تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للحائري
56
مباحث الأصول ( القسم الأول )
فبناءً على مسلك الوضع لا يمكن إثبات ذلك ؛ إذ هذا الأمر ليس للوجوب بدليل عدم وجوب غسل الجمعة ، فهو : إمّا مستعمل في الاستحباب ، أو في الجامع بينهما ، وعلى أيّ حال لا يدلّ على وجوب غسل الجنابة ، ولا يمكن فرض كونه للوجوب في غسل الجنابة وللاستحباب في غسل الجمعة ؛ إذ يكون هذا من قبيل استعمال اللفظ في معنيين ، وهو غير صحيح عرفاً . وأمّا على مسلك حكم العقل فالأمر مستعمل في الطلب ، والوجوب حكم عقليّ معلّق على عدم ورود الترخيص ، فإذا ورد الترخيص في أحدهما دون الآخر ، ثبت - لا محالة - وجوب ما لم يرخّص في خلافه دون الآخر وإن كان كلاهما مأموراً به بأمر واحد ، فبذلك يثبت وجوب غسل الجنابة ، وكذلك الحال على مسلك الإطلاق ، فإنّ الأمر ينحلّ إلى حصّتين تقيّد إطلاق إحدى الحصّتين بدليل خاصّ ، وهذا لا يوجب تقييد الحصّة الأخرى ، وهذا ليس من قبيل استعمال اللفظ في معنيين ، وإنّما هو من باب التقييد في بعض الحصص والإطلاق في بعضها ، والتقييد ضرورة ، والضرورات تتقدّر بقدرها « 1 » ، من قبيل ما لو قال : « أكرم العالم » ، وعرفنا أنّ الفقيه لا يُكرَم إلّاإذا كان عادلًا ، ولكن في غير الفقيه لم نعلم بذلك ، فنبني على الإطلاق . ومنها : أنّه لو ورد أمر بطبيعيّ فعل ، من قبيل ما إذا ورد : « أكرم العالم » ، وعلمنا من الخارج بأنّ إكرام العالم غير الفقيه لا يجب ، فهل يمكن إثبات استحبابه على الأقلّ ، أو لا ؟ فعلى مسلك الوضع لا يثبت ذلك ؛ إذ قوله : « أكرم » ظاهر في الوجوب ، ومستعمل في الوجوب بمقتضى أصالة الحقيقة ، وموضوعه العالم ، وعلمنا عدم وجوب إكرام غير الفقيه ، فمقتضى القاعدة هو التخصيص ؛ لأنّ هذا الدليل لسانه الوجوب ، ولا وجوب لغير الفقيه ، فلا يبقى دليل على الاستحباب أيضاً .
--> ( 1 ) إن وافقنا على الدلالة السياقيّة في الفرع السابق ، فروح الدلالة السياقيّة موجودةهنا بشكل أشدّ